أبي منصور الماتريدي
299
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مستغفر فيغفر له ؟ » ، فجائز أن يكون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في أول ما أوحي إليه كان بجبل فاران ، وهو جبل من جبال مكة ، أو كان ذلك الجبل منسوبا إلى ذلك المكان . ثم في قوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ تثبيت « 1 » نبوة [ نبينا ] « 2 » محمد صلّى اللّه عليه وسلم وآية رسالته ، وذلك أن تعريف المرء بما عليه من الثياب « 3 » ونسبته إليه ، لا يخرجه مخرج التعظيم والتبجيل ، وإنما التبجيل فيما يدعى باسمه أو بكنيته ، فلو كان الأمر على ما زعمت الكفرة : أن هذا القرآن ليس من عند الله ، وأن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم هو الذي اخترعه من ذات نفسه ، لكان لا يعرف نفسه بثيابه ، بل يعرفها بما فيه تبجيلها وتعظيمها ، فإذ لم يفعل ثبت أنه كان رسولا حقا ، بلغ الرسالة على ما أوحي إليه ، وأدى كما أمر ، على ما ذكرنا في الآيات التي خرجت مخرج المعاتبة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أن فيها تثبيت « 4 » رسالته ؛ نحو قوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى [ عبس : 1 ] ، وغير ذلك من الآيات . وجائز أن تكون نسبته إلى ثيابه ؛ ليعلم الخلق أن لا بأس للمرء أن يعرف أخاه بثيابه . وجائز أن تكون نسبته إلى الثوب الذي يدثر « 5 » به يخرج مخرج التعظيم لذلك الثوب ؛ لموافقته حال نزول الوحي ، وهذا كما ذكرنا : أن إضافة الأشياء إلى الله تعالى نحو الجزئيات تخرج مخرج تعظيم تلك الأشياء ، كقوله : ناقة الله ، ومسجد الله ، ورب العرش ، [ على ] « 6 » تعظيم العرش ، وتعظيم أمر الناقة ، وتشريف المسجد . وإضافة الأشياء إليه نحو الكليات ، يخرج مخرج تعظيم الله تعالى ؛ كقوله : رب العالمين ، رب السماوات والأرض وما بينهما . ثم أذن للمرء أن يسبح في ركوعه ، فيقول : « سبحان ربي العظيم » ، فيخص نفسه بقوله : « ربي » ، والحق في مثله أن يقول « سبحان ربنا » ؛ لئلا يخرج ذلك مخرج تعظيم النفس ؛ كقوله : « رب العالمين » ، و « رب السماوات والأرض وما بينهما » ؛ إذ الإضافة من الجانبين على السواء فيما ذكرنا ، لكن ذلك الذكر إذا وافق الحالة التي فيها تعظيم الرب ووصفه بالعلو ؛ وهي الركوع والسجود ، أذن له بأن يأتي بهذا الذكر ، وإن خرج ذلك مخرج تعظيم النفس .
--> ( 1 ) في ب : ثبتت . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : الثبات . ( 4 ) في ب : ثبتت . ( 5 ) في ب : يرتد . ( 6 ) سقط في ب .